حرية رسالة الفرقان عالم الإسلام

الحجاب النيوزيلندى.. ومِحنة المثقف العربى:مختار محمود

يوم الخميس الماضى، وبلغةٍ عربيةٍ بسيطةٍ، غرَّد السفير النيوزيلندى بالقاهرة «جريج لويس»، على حسابه الخاص بموقع التدوينات القصيرة «تويتر»: «تفخر نيوزيلندا بأنها دولةٌ منفتحةٌ ومتنوعةٌ ومتسامحةٌ وتحتضن الخلاف؛ فقد تم تقديم الحجاب الإسلامى الآن كخيارٍ لارتدائه من قِبل النساء المسلمات؛ كجزءٍ من الزى الرسمى لشرطة نيوزيلندا». وبالتزامن مع هذه التغريدة، أعلنت الشرطة النيوزلندية، فى بيانٍ رسمىٍّ أنه «أصبح بإمكان الضابطات المسلمات العمل ضمن قوات الشرطة النيوزلندية، مع إمكانية ارتداء زىٍّ رسمىٍّ يشمل غطاء رأسٍ إسلامياً، يسهل ارتداؤه ولن يعوق أداء واجبهن فى العمل»، مُردفة: «نحن نُدرك القيمة التى يُضيفها لنا اختلاف العقائد والخلفيات والتجارب أو وجهات النظر؛ لتحسين ما نقوم به». كما تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية صورة الضابطة النيوزيلندية المحجبة «زينة على»، ونسبت إليها قولها: «أعتقد أن هذا الاعتماد سيشجِّع المزيد من النساء المسلمات على الانضمام إلينا»، مُستطردةً: «الشرطة بذلت قصارى جهدها لضمان تلبية الحجاب فى الزى الرسمى لمتطلبات الصحة والسلامة والاحتياجات الشخصية». هذه الخطوة من جانب هذه الدولة الأوروبية تعكس تحولاً محموداً ورشيداً إزاء المظاهر الإسلامية التى تواجه حرباً وتشنجاً واستفزازاً من داخل دولٍ إسلاميةٍ، ومن مفكرين ومثقفين منتسبين إلى الإسلام، ويزعمون زوراً أنهم ينافحون عنه، ألا ساء ما يفعلون !
اللافت فى الأمر، أن القرار صادف ترحيباً محلياً، ولم تندلع ثورات غاضبة ضده من الشعب النيوزيلندى الذى يتجاوز عدده خمسة ملايين نسمة، ولم تدعُ النسخة النيوزيلندية من أدعياء التنوير الجدد في مصر ومَنْ على شاكلتهم وعلى دربهم سائرون، إلى النزول عرايا وعاريات إلى الميادين والشوارع؛ للتظاهر ضد هذا القرار وإلغائه وتطهير الشرطة النيوزيلندية من مظاهر التخلُّف والرجعية والجهل، ولم تنعقد برامج المساء فى التليفزيون النيوزيلندى حتى مطلع الفجر؛ للمطالبة بتحرير رؤوس الضابطات من الحجاب، وإلزامهن بارتداء زىٍّ مكشوفٍ من أعلى ومن أسفل، والحصول على ضمانة من الحكومة النيوزيلندية بعدم اتخاذ مثل هذه النوعية من القرارات الرجعية؛ باعتبارها تُمثل «ردَّة حضاريةً»، ولم تخرج الصحف النيوزيلندية فى اليوم التالى بمعالجات صحفية غاضبة من هذا القرار، ومطالبة بنسفه ومحاسبة من أصدره. أوَليس أمراً مريباً عجيباً مزعجاً أن تتباهى بعض الحكومات الإسلامية، أو من يعتبرون أنفسهم من «النُّخَب العربية» بالتضييق على الشعائر والمشاعر والطقوس الإسلامية؛ توهماً بأن ذلك من مقومات اللحاق بقطار التنوير الكاذب، فى الوقت الذى تعمل فيه دولٌ لا تدين أغلبيتها الكاسحة بالإسلام على التوسعة على أقلياتها المسلمة وعدم التضييق عليها، وعدم تعمد إثارة مشاعرها؟
لن أكون مبالغاً عندما أقول: إن مثل هذه الخطوات من جانب دول أوروبية، على بساطتها، تُمثِّل لطمات قوية على وجوه تلك الشرذمة التى اتخذ أفرادها من العدوان على الدين والمتدينين ومعتقداتهم شرعةً ومنهاجاً وسبيلاً مضمونةً للاسترزاق، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لا يزالون فى ضلالهم القديم، وأنهم فى غيِّهم يعمهون. يحدث مثل هذا الأمر فى «نيوزيلندا» فى الوقت الذى لا تزال تتصاعد فيه وتيرة الهجوم فى مصر وغيرها على ثوابت دينية، وفقهاء متقدمين، وعلماء مغاوير، إنها مِحنة المثقفين المصريين والعرب الذين يتركون كل أسباب التراجع والتخلُّف فى بلادهم؛ ليشتبكوا مع الدين ويعلنوا الحرب عليه، بحثاً عن مالٍ وشهرةٍ، إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور، ولله فى خلقه شئون..

نقلا عن صوت الأزهر الشريف

 

Related posts

الرئيس رجب طيب أردغان عازم على جعل تركيا مركزا علاجيا للقارات الثلاث أوربا وإفريقيا وآسيا

SubEditor

الرزاز: الأردن قد يدعم إنشاء دولة فلسطينية – إسرائيلية موحدة بشروط

SubEditor

أردوغان: أحبطنا جميع المكائد ضدنا في شرق المتوسط

SubEditor

اكتب تعليقك