إرهاب العالمية دولي سياسة

ترامب يغرق في صراع الشرق الأوسط الذي تعهد بتجنبه :واشنطن بوست

قالت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، باتخاذه قرار بالغ الأهمية عبر السماح بتنفيذ ضربة جوية بطائرة مسيرة أسفرت عن مقتل قائد إيراني بارز في بغداد، قد أقحم نفسه في قلب منطقة متشظية ولا يمكن التكهن بالأحداث فيها، مضيفة أنه قد نقل فترة رئاسته إلى مرحلة شائكة فيما يتعلق بالملفات الأجنبية والسياسة الخارجية، تلك التي تعهد من قبل بتجنبها.
وتناولت الصحيفة الأمريكية في تقريرها ، المنشور اليوم، تداعيات اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرث الثوري الإيراني “وقائد قوات العمليات الخاصة الإيرانية في الخارج” على حد وصفها والتي نفذت الجمعة الماضي ، وتأثيراتها على الواقع الأمريكي والمشهد العالمي ككل. ومضت إلى القول إن ترامب في أعقاب عملية إغتيال سليماني قام باتخاذ قرار يقضي بإرسال 3500 جندي أمريكي إضافي إلى الشرق الأوسط للرد على التوترات المتزايدة هناك.
وذكر التقرير أنه ومن خلال توفر الأسباب لنشوب صراع مع إيران فإن ترامب يؤجج لحرب محتمل أن يواجه خلالها الخصم الأكثر قوة ، مشيرا إلى ان الجيش الإيراني يأتي في المرتبة الثانية بعد جيش إسرائيل من حيث القوة في الشرق الأوسط. لافتا إلى أن طهران تتمتع بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك دولا تعتبر من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن إيران تقع على مقربة من دول لدى واشنطن مصالح إستراتيجية قوية معها مثل إسرائيل وأوروبا ومنطقة الخليج الغنية بالنفط.
وفي تسلسل سريع للأحداث، أدت الضربة الأمريكية وإعادة نشر القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى إعتبار أن الرئيس ترامب شخصية محورية فيما يمكن أن يكون عليه الصراع العسكري الأمريكي مع قوة أجنبية في الفترة المقبلة، وقالت الواشنطن بوست إن التحركات الأمريكية أكدت أيضا على أن نهج ترامب في رئاسة البلاد ،الذي وصفته بـ”المتهور”، من شأنه أن يرفع حدة توتر الوضع الراهن بسرعة إلى مرحلة الفوضى.
وفي سياق التقرير .. قالت الصحيفة الأمريكية إن إيران تعهدت بـ”إنتقام قاس” على اغتيال سليماني ، وتواصلت تداعيات الضربة الأمريكية التي نفذت في بغداد حيث عبر مسؤولون عراقيون عن إدانتهم علانية للولايات المتحدة بعد شنها ضربة عسكرية على أراضي بلادهم ، فيما تراجعت أسعار الأسواق العالمية يوم الجمعة وكذلك أرتفعت أسعار النفط، كما حثت وزارة الخارجية الأمريكية مواطنيها على مغادرة العراق على الفور ، في الوقت الذي شهد فيه الكونغرس الأمريكي تجاذبات تراوحت بين الانتقاد والثناء على عملية الاغتيال.
ونقلت الواشنطن بوست في تقريرها تصريحات مسؤولين أمريكيين من الحزبين “الديموقراطي والجمهوري” ابدوا خلالها قلقهم حيال إختبار القوة الذي انتهجته الادارة الأمريكية، وقالت إن القلق سببه قلة خبرة الرئيس ترامب بالشؤون العالمية التي تكون خارج نطاق التجارة والاقتصاد، هذا بالاضافة إلى عدم ثقته في التحالفات الدولية واستياءه من الالتزامات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
وأكدت الصحيفة أن ترامب يقف الآن على شفا حفرة من الوقوع في صراع واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط التي كان يلقي اللوم عليها بأنها كانت عبئا على الولايات المتحدة الأمريكية في الفترات السابقة، ولفتت إلى أنه أيضا سعى لإظهار الشعور بالهدوء خلال مخاطبته الشعب الأمريكي ، الجمعة، حين قال إن “الضربة كانت دقيقة ولا تشوبها شائبة” ونجاحها منع سليماني من تنفيذ مخططه بشن هجمات محتملة ضد دبلوماسيين أمريكيين. وأشارت الصحيفة إلى تصريحات الرئيس ترامب من منزله في فلوريدا حيث قال “لقد اتخذنا إجراءات الليلة الماضية لوقف الحرب .. نحن لم نتحرك لبدء حرب”.
وفي سياق تصريحات المسؤولين والخبراء الأمريكيين حول عملية إغتيال سليماني، قال ليون بانيتا ، وزير الدفاع ومدير وكالة الاستخبارات المركزية “CIA” في الإدارات الديمقراطية السابقة ، إن ترامب تذبذب بين دوافعه الانعزالية ورغبته في تقديم صورة قوية لأعداء الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم ، الأمر الذي نتج عنه تشويش حيال أيديولوجية السياسة الخارجية التي يتبعها.
وقال بانيتا “جزء من المشكلة التي أدت إلى هذا الموقف هو سلسلة من الرسائل المتضاربة من الإدارة الأمريكية الحالية حول بالضبط ما يمثله الرئيس”. “مضيفا أن الوضع الآن بالنسبة لواشنطن وسط حلقة “اللكمة واللكمات المضادة” ، معربا عن قلقه حول الوضع الراهن عبر التساؤل عن قدرة الولايات المتحدة على إنهاء هذه الأزمة والخروج منها بنجاح قبل الدخول في حرب.
كما تطرقت الواشنطن بوست لتصريحات الرئيس الأمريكي ، عقب العملية حيث قالت إن الرئيس أشار إلى أنه يأمل تجنب الحرب مع إيران، وفي نفس الوقت أكد أن الولايات المتحدة “جاهزة ومستعدة” لأي أنتقام من طهران!.، ثم قال إنه لديه احترام عميق للشعب الإيراني فهو شعب رائع ولديه تراث مذهل وإمكانيات ضخمة، ونحن في الولايات المتحدة لانسعى لتغيير النظام الإيراني، وقال إيضا أن المسؤولين الإيرانيين قاموا بتهديد أمريكا علنا بالانتقام من عملية إغتيال سليماني .
وكشفت الصحيفة أن الاستخبارات الأمريكية كانت تتابع سليماني عن كثب لسنوات طويلة ، وأن الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما رفضا من قبل تنفيذ عملية إغتيال سليماني خشية أن تقود تداعياتها إلى وقوع حرب لا تحمد عقباها، إلا أنه ورغم كل ذلك اتخذ ترامب خطوة مخالفة للرؤساء الذين سبقوه وتم تنفيذ العملية يوم الجمعة ، وقالت الصحيفة إن هذه الخطوة جاءت سعيا منه للإشارة إلى أنه كان أكثر صرامة وأكثر استعدادا لمواجهة خصومه من سابقيه. وفي تعليقه على الضربة قال ترامب إن مافعلته الولايات المتحدة بالأمس كان ينبغي القيام به منذ فترة طويلة، وكان يمكن حينها إنقاذ الكثير من الأرواح.
وتناولت الواشنطن بوست ردود الأفعال الأمريكية على قرار ترامب بتنفيذ عملية اغتيال سليماني والانتقادات التي وجهت له ، حيث قالت إن قادة الكونغرس الأمريكي قالوا إنهم علموا بالضربة من خلال والتقارير والأخبار التي نشرتها وسائل الاعلام وذلك بدلا من معرفتها عبر الإجراءات العرفية المتعلقة بمثل هذه الحالات والتي يتم فيها تقديم إحاطات إعلامية للكونغرس حول العمليات التي ستنفذها الإدارة الأمريكية . حيث قال تشارلز شومر زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ إنه لم يتم إطلاعه كالعادة في مثل هذه العمليات، محذرا من أن هذه العملية ربما تكون قد جعلت الأمة الأمريكية أقرب من أي وقت مضى من حرب أخرى لا نهاية لها، وهي نفس الحرب التي وعد الرئيس ترامب بعدم جرنا إليها.
وفي نفس السياق قال بعض المشرعون الأمريكيون المقربين من ترامب إنهم لم يتم إخبارهم بخطة العملية قبل تنفيذها ، وقالوا في تصريحات خاصة للواشنطن بوست إنهم كانوا سيقدرون ذلك لو قامت الإدارة بتقديم إحاطة إعلامية حول العملية قبل تنفيذها، ورغم ذلك أشاد بعض الجمهوريون علنا بقرار ترامب القاضي بتنفيذ العملية. حيث قال النائب مارك ميدوز ، أحد المقربين من ترامب: “في النهاية ، كان عمله الحاسم هو الذي أحدث الفرق” ووصف ميدوز موقف المنتقدين للعملية الذين يقولون بأنها تشجع الإرهابيين، بـ”السخيف”.
وأكدت الواشنطن بوست أن ترامب دائما ما كانت إيران محور إهتمام دائم له منذ ترشحه للرئاسة الأمريكية، ومضيفة انه انتقد الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2011 متهما إياه بالدعوة إلى حرب لتحسين فرص اعادة إنتخابه، كما وصف ترامب الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته إدارة أوباما في 2015 بأنه كارثة، وعند توليه الرئاسة رفض ترامب وساطات حلفاء أمريكا الداعية إلى المحافظة على الاتفاق على ماهو عليه حتى وإن لم يكن مثاليا، كما رفض أيضا إعتراضات مستشاريه للأمن القومي وأنسحب من الاتفاق النووي مع إيران فعليا في عام 2018.
ولفت التقرير إلى أنه وبعد كل ذلك سعى ترامب علانية لخوض مفاوضات جديدة مع إيران ، وفي أغلب الأحيان كان يمتدح إيران وقدراتها ومهاراتها التفاوضية، كما وعد بإبرام اتفاق محكم لا يتسطيع حتى أوباما من إبرام مثله. ولفتت الصحيفة الأمريكية إلى أنه وفي سبتمبر 2019 قال ترامب إنه يأمل في إجراء مفاوضات مباشرة مع إيران.
وقالت واشنطن بوست إنه وعلى الرغم من أن ترامب اتخذ من قبل خطوات إستفزازية ضد إيران من بينها تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، إلا أنه تراجع عن الوقوع في حرب محتملة مع طهران في العام الماضي وألغى ضربات جوية على المنشآت الإيرانية كان من المفترض أن تنفذ في يونيو الماضي وذلك بعد إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، كما لم يتخذ ترامب أي إجراء عسكري في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له منشآت نفطية في السعودية، هجوم ألقي فيه باللوم على إيران وأنها من تقف خلفه.
وأكدت الصحيفة الأمريكية أن التحركات المفاجئة التي يتخذها ترامب ألقت بظلالها على واشنطن وعواصم عالمية أخرى وأثارت جدلا حول طبيعة ايدلوجية السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي حاليا.
واسترجعت واشنطن بوست في تقريرها تصريحات أدلى بها ترامب إبان حملته للانتخابات الرئاسية الأمريكية ، والتي جاء فيما بعد وفعل عكسها تماما، حيث قالت إنه في عام 2016 تبنى ترامب شعار “أمريكا أولا” وحجته في ذلك أن الحروب في الشرق الأوسط كانت تمثل إخفاقات هائلة لواشنطن واستهلكت حياة الأمريكيين وثروتهم القومية . كما قال في خطاب في ابريل 2016 حول سياسته الخارجية حال فاز بالرئاسة ، “إن الحرب والعدوان لن تكونا في حسباني ولا غريزتي الأولى في الحكم .. فالدول العظمى تدرك أن الحذر وضبط النفس هما حقا من علامات القوة”.
ولفت التقرير إلى أن التوتر بين رغبة ترامب في إظهار القوة ورغبته في التراجع عن الدخول في حروب في الشرق الوسط وصل أشد حالاته حرجا في الوقت الراهن وذلك بالتزامن مع بداية جهوده الرامية إلى إعادة إنتخابه مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى العام الجاري.
ونقلت واشنطن بوست تصريحات مسؤول في البيت الأبيض ، وصفته بـ”غير مصرح له بالحديث علينا لوسائل الإعلام “، قال فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفي وقت متأخر من يوم الجمعة كان يخبر كبار مستشاريه أنه تفاجأ بالسرعة التي انتقد فيها الديموقراطيين عملية إغتيال سليماني. كما نقل المسؤول قول ترامب إنه شعر عند تنفيذ الضربة الجوية ببغداد وكأنه قبض على الإيرانيين “متلبسين” وهم يحاولون التخطيط لتنفيذ هجمات مستقبلية تهدد الأمريكيين ومصالح بلادهم، مضيفا أن ترامب قال من المضحك إن الديموقراطيين لا يستطيعون أن يقولوا “هذا عمل رائع” ..
ومضى المسؤول إلى القول إن الرئيس ترامب يراقب عن كثب وبصورة مستمرة نائب الرئيس السابق جو بايدن منافسه المحتمل في الانتخابات الرئاسية المقبلة ، وهذا ما اكده مقربون من ترامب نفسه. كما قال مسؤولون بالبيت الأبيض وكبار الجمهوريون إن ترامب لا يعتمد على نصيحة مستشاريه من الجنرالات مثلما فعل في وقت سابق من فترته الرئاسية. فيما يرى بعض الجهوريين المخضرمين إن ذلك قد يفيد حملة إعادة إنتخابه وخاصة إنه سيواجه منافس مثل جو بايدن.
وفي خواتيمه، كشف تقرير واشنطن بوست عن أن سياسة ترامب تجاه إيران قد واجهت إنتقادات حادة، في ظل قلة الدلائل والبراهين على أن منهج “الضغط لأقصى حد” الذي مارسه قد حقق النتائج المرجوة، وفي هذا السياق قال ديفيد شانزير مدير مركز المثلث المعني بالإرهاب والأمن الداخلي بجامعة ديوك: إن إدارة ترامب أظهرت منذ بداية عهدها إفتقارا للتفكير الإستراتيجي الواقعي بشأن السياسة الإيرانية ، فهناك فكرة لديهم أنه يمكن تخويف طهران بشكل أساسي والعمل ضد مصالحها الخاصة ، معبرا عن اعتقاده أن هذه السياسة كانت غير واقعية إذا أخذنا في الاعتبار العلاقات التاريخية بين واشنطن وطبيعة النظام الإيراني .
وبدوره قال روبرت مالي ، رئيس المجموعة الدولية للأزمات ومسؤول سابق في إدارة أوباما ، إنه من المؤكد أن إيران سترد على عملية إغتيال الجنرال قاسم سليماني ولكنها لن تفعل ذلك في القريب العاجل ، وهذا ما يعني أن الجيش الأمريكي يجب أن يكون “على أهبة الاستعداد لفترة طويلة”. فيما قال وزير الدفاع ومدير وكالة الاستخبارات المركزية “CIA” الأسبق ليون بانيتا إنه يخشى أن ترامب لم يدرس بالكامل المخاطر المرتبطة بإخراج سليماني من المشهد الإيراني وتعطيل العملية السياسية في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. وأضاف بانيتا إن القرن الحادي والعشرين هو القرن الذي دخلت فيه أمريكا بسهولة في ساحة الحرب ولكنها وجدت صعوبة كبيرة في الخروج منها، مستطردا بالقول: هناك مسؤولية أكبر الآن لتقييم العواقب وماستكون عليه بالضبط وبكل دقة.”

Related posts

مجلس الوزراء السعودي: أعمال الحوثيين الاستفزازية تعيق الدعم الإنساني لليمن

SubEditor

ذكرى الإسراء والمعراج في فلسطين تمر بصمت في زمن “كورونا”

SubEditor

بعد هجوم لندن.. قواعد بريطانية صارمة بحق المدانين بالإرهاب

SubEditor

اكتب تعليقك