حرية خيار المحرر دولي

المسيح عيسى عليه السلام كما يصوره القرآن

إقرار طبيعة الأنبياء.. بحد ذاته رسالة في القرآن إلى البشرية، والمسيح عيسى هو أهم نبي نزل القرآن بتأكيد بشريته، لما أصابه من غلو أتباعه حتى رفعوه إلى درجة الألوهية، وفي المقابل.. ناله الطعن في عرض أمه، ما بين هاتين الصورتين توارت المهمة الرسالية التي جاء لأجلها المسيح عيسى بن مريم.
في مقارنة الأديان.. من المهم استعراض الصور من مصادرها، ولكن المقام هنا لا يتسع، ولذلك.. أكتفي بعرض الصور كما نشرها القرآن، وأعاد بناء صورة المسيح بما يتناسب مع الدور الرسالي الذي جاء لأجله الأنبياء، لأن الغرض هو «الصورة في القرآن»، وليس المقارنة بين الأديان.
قال الله: «مَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، القرآن.. يفكك الصورة الموهومة عن ألوهية المسيح ببناء صورة أخرى، إنه يبتعد عن المقولات الفلسفية؛ لأنها «أدوات جامدة»، فهي لا ترسم صورة تتفاعل معها النفوس. بينما القرآن يضع القارئ أمام المشهد مباشرة، ينظر فيه الرسلَ متتابعين على طول خط الإنسانية؛ نبياً يتبع نبياً، كلهم آتين لتحقيق العبودية لله، فلا يصح أن يدّعي أحدهم الألوهية، والمسيح هو أحد أولئك الأنبياء الكرام.
المسيح وأمه.. يتحلقان على مائدة الطعام؛ فيأخذان منها نهمتهما حتى يشبعا من بعد جوع، ويرتويا من بعد عطش، هذه الصورة تسقط أدنى توهم قد يتلبس بالإنسان فيتصور فيهما شيئاً من الألوهية، فهل هذا المخلوق الذي حاله من حالكم أيها الناس يمكن أن يُعبَد من دون الله؟!
الرؤية الفلسفية.. التي تنطوي عليها صورة المسيح في القرآن هي إنزاله من مقام الألوهية إلى موقع الإنسانية، ومن القدرة على النفع والضر إلى إيصال الرسالة، رؤية.. لم تكتب بعبارة برهانية مرهقة للذهن، وإنما ترسّخت من خلال الصورة التي تؤثر وجداناً على النفس، وتنقش في العقل مشهداً لا يسهل محوه.
صورة المسيح الإنسان.. وهي الغاية التي سعى القرآن إلى إيجادها في الذهن وترسيخها تطالعنا في الآيات: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، هناك.. شخص غلا فيه أتباعه، وتحوّل غلوهم إلى دين، فاتخذه الكثيرون منهم إلهاً، ومن المنطقي أن تكون الحجة دينية في ردهم إلى صورته البشرية، والحجج الدينية في عادتها تأخذ منحى أسطورياً أو بُعداً فلسفياً، بيد أن الحجة القرآنية تأخذ صورة بيانية؛ تتحول إلى مشهد يراه كل إنسان، ولا يأباه العقل المتدين؛ مهما كان توجهه الاعتقادي، فالمسيح يحل موقعه الطبيعي عبر اللغة الدينية ذاتها، فمَن بشّر أمَه مريم هم الملائكة وليس غيرهم، هؤلاء الملائكة لم يأتوا ليبعدوا المسيح عن حقله الروحي وتأثيره الديني، بل أكدوا أن الله بنفسه اقتضت مشيئته أن يُخلَق عيسى من دون أن يمس أمَه بشر؛ بكلمة «كن»، وهي الكلمة المبهرة في النفس، والآسرة لنفس المتديّن، هذه الكلمة التي خُلِقَ بها قبله آدم؛ ودَرَجَتْه في سلّم الحياة، هي ذاتها التي خُلِقَ بها عيسى؛ وقلّبته بين ظهراني الناس من طور المهد إلى طور الكهولة، وهي أطوار جعلت الإنسان فريداً من نوعه، دون أن يكون إلهاً، وكذلك عيسى.. جعلته فريداً في خلقه؛ دون أن تصطنعه إلهاً، هكذا ببساطة؛ وبصورة جاذبة للنفس تم تصوير المسيح دون أن تُمس روحانية الإيمان أو يُخدش ضمير التدين.
عيسى.. مختلف فيه، والمختلفون فيه جاؤوا من بعده، ولذلك.. فإن أقوى صورة مؤثرة هي تلك التي يُرى فيها الشخص ذاته، فاستحضار المسيح بيننا والاستماع إليه يعتبر من أكثر المشاهد إثارة وأعمقها رسوخاً في النفس، قال الله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، عيسى.. أمام محكمة ربانية، تستنطقه حول ما اعتقد الناس فيه، ومرة أخرى.. عيسى لا يسلك البراهين الفلسفية، وإنما يحيل الأمر برمته إلى الله؛ عبر تصوّر القدرة الإلهية، فهو لا يكتفي بنفي الألوهية عنه، وإنما يقرّ بها مطلقاً لله وحده، فلماذا يدافع المسيح عن نفسه؛ طالما أن الله الذي يخاطبه يعلم ما في نفسه؟ مشهد يزعزع كل شك في النفس، ويقضي على أدنى وَهْمٍ فيها. إذاً.. يتم تركيب الصورة وتحريكها على مقتضى الألوهية المطلقة لله، وتجريد أي مخلوق منها؛ ولو كان نبياً مرسلاً.
في المقابل.. لننظر إلى صورة المسيح في مشهد الرد على الطاعنين في أمه، يقول الله: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً، ذَلِكَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، مريم تحمل ابنها، وقد عانت كثيراً قبل هذه اللحظة، لقد عانت منذ أن جاءها «روح الله» متمثلاً لها بشراً سوياً، وعانت في حملها بعيسى وفي مخاضها به وحيدةً بعيدة عن أهلها وعمّن يخدمها أثناء وضعها به، عانت حتى (قَالَتْ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً). وها هو المشهد المؤلم؛ عندما جاءت تحمله بين يديها، لتواجه الاتهام المباشر، وهو اتهام حارق للنفس، ماحق للذات، يتوجه إليها عبر التذكير بوالديها، فهي لم ترتكب الخطيئة -بحسب اتهامهم- في نفسها فحسب، وإنما جلبت العار إلى أهلها، وهم من هم منزلة بين قومهم، لو كان هذا الطفل بين يديّ غير مريم لسقط منه، ولسقط هو مغشياً عليه. لكن الصورة تبهرك، وتشدك لمتابعتها، تنتظر بلهفة جواب مريم، لتدافع عن عفتها. يفاجئنا الجواب.. بأن يتحول المشهد برمته إلى القدرة الإلهية، وهذه المرة.. ليس لتجريد المسيح من مقام الألوهية؛ فهذا أمر غير وارد هنا، وإنما لتستحضر القدرة الإلهية المتجلية في هذا الوليد، فإذا بها تشير إليه، لينطق بلسان مبين، وما يشد كثيراً في المشهد، أن الطفل لن يدافع عن أمه بين يدي هؤلاء الطاعنين، وإنما يأتي جوابه قاطعاً لكل ما يتوهمون، فهو عبدالله، والعبودية أعلى مقامات الخضوع بين يدي الله، وقد جعله الله نبياً مباركاً، باراً بأمه، ولم يجعله جباراً شقياً، أين تبرئة أمه؟ لا تحضر في الإطار الخارجي للصورة، وإنما نراها بأوضح مشاهدها في إيحائها الداخلي، فمن كان هذا حاله، فلا يمكن إلا أن يكون طاهراً في أصله، طاهراً في الرحم الذي حمل به، ولذلك ختم كلامه بقوله: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ).
صورة عيسى بن مريم كما جاء بها القرآن.. تعتمد على التصوير البياني البليغ، الذي يقوم على التأثير النفسي، وهي صورة أنزلت المسيح من مقام الألوهية، ورفعته من وهدة الطعن فيه، كل ذلك.. قد جرى باللسان المبين الذي حفظ له كرامته الإنسانية، ولم يستنقص منه رسالته.

Related posts

مسلمو تايلاند والسويد: فتح “آيا صوفيا” أسعدنا

SubEditor

هيئة كبار العلماء تَنعى المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة

SubEditor

رفض كل ما يهدد الأمن والاستقرار من قبل قطر والسعودية

Editor

اكتب تعليقك