رسالة الفرقان عالم الإسلام

العذاب المهين لمن أساء للرسول الأمين :د. أحمد خليفة شرقاوى

عجباً أن تقرأ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وقد تلطف بمن تبوَّل فى المسجد جهلاً، وقد عطف عليه بجميلِ رحمته، وشريفِ كرمه، مانعاً الصحابة (رضى الله عنهم) من أن يَمسوه بسوء، معلماً إياه أن هذا المكان لا يصلح فيه شىء من أمور الدنيا، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحكمته معلماً له، وبحلمه رحيماً به، وبعلمه ناصحاً إياه، وبعدله حامياً له، وبقوته مدافعاً عنه، قال الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ».
فلا عجب أبداً أن ترى هذه الصوره حقيقة ومعنىً من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع من جهل الشىء دون تعمُّد الإساءة، وأما من تعمَّد الإساءة ودأب على التعدى رغم علمه بتحريم ذلك فى جميع الأديان السماوية، وتجريمه فى كل الأعراف العالمية والمواثيق الدولية، فضلاً عن استنكاره فى دنيا الإنسانية الرشيدة، وعليه فإن هذا الفعل أقل ما يوصف به فى عرف العقلاء والنبلاء والعلماء أنه اعتداء مقيت، وتصرف مذموم، لا حصانة لفاعله، ولا احترام لقائله، ومن تجرأ على فعل ذلك من أكابر المجرمين فقد سقطت حمايته، ووجبت عقوبته.
فالإيمان بالرسل – جميعهم- واجب دينى، واحترامهم واجب أخلاقى، يفرضه الدين والواقع المعيش فرضاً؛ لما لهم من أثر بالغ فى البلاد وبين العباد ويوم الميعاد، فقد خرج الناس بهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان، فسعد الناس بهم فى الدين والدنيا والآخرة.
فإذا كان الجاهل المتكبر لا يؤمن بالنبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإن قواعد الإنسانية تقضى فى أبسط معانيها أن يحترم غير المؤمن به شعور من آمن به؛ فيحترم الإنسان أخاه الإنسان فى اختياره وإيمانه، ومن ثم يمتنع قطعاً على كل من لا يؤمن بدين غيره أن يؤذى شعور من يدين بهذا الدين، أو أن يَمَس إيمانه بسوء، أو أن يؤذى رسوله الذى آمن به بأى شىء يكرهه، قال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، والعجب الذى يجرى بين الناس أننا نرى من يتغنَّى بالحرية لا يعتنى بها فهماً، ولا يقيم لها وزناً، ومن العجيب أيضاً أن نرى أناساً يدَّعون الثقافة والحضارة، ثم لا تكون ثقافتهم ولا حضارتهم عليهم إلا حسرة وخسراً، فلا يستقيم فى دنيا الإنسانية الآن أن نرى هذا الاعتداء والإساءة المقيتة، مع الرحمة العالية، مع رسول الإنسانية، مع النبى الخاتم للرسالات السماوية كلها، تاج الوقار وعنوان الجلال، ممن يدعى أنه قد وصل إلى منتهى الحداثة وغاية الحضارة، فهذه دعوى الجاهلين من أجل التمرغ فى مواطن الجهل والسوء، والنزول بالإنسانية إلى قاع التبذل والهوان، وتحويل الإنسان إلى خيال إنسان، لا حياة فيه ولا قيمة له، يناقض بعضه بعضاً، بعد أن مَنًّ الله عليه بقدرته، فأحسن خلقه بعدله، وكرَّمه بشريف جوده، ورزقه من الطيبات بجميل عطائه وكرمه، قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا».
وعليه: فإننى من هنا من مصر؛ بلد الأزهر وقلب العالم، أقول لكل من يسىء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لقد حرمت نفسك من شرف عظيم، فهذه الإساءة ما زادت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا رفعة ومهابة؛ لأن الإساءة إلى العظماء أو التعدى عليهم بالقول أو بالرسم لا يزيدهم عند الله وعند الناس إلا عِزَّة.
وأقول: إن إساءة المسيئين لك يا رسول الله ما نالت من جنابك النبوى الشريف إلا ذيوعاً لرسالتك وانتشاراً لدعوتك، فعذراً رسول الله إن حَرَم إنسانٌ نفسه بنفسه من شريف كرمك وورود حوضك وجميل رؤيتك وشرف اللقاء بك.
وإننى لأذكِّر العقلاء من الناس بأنه لا يستقيم أبداً سلام ولا عدل مع تدليس وكذب وافتراء؛ لتعارض ذلك مع ثوابت الأمن، وتناقضه مع قواعد العدل؛ لأن الرسالات السماوية إنما جاءت لإسعاد الإنسانية وبقائها ونمائها، وتمام جمالها وكمالها.
وما كان ذلك كذلك إلا إرساءً لقواعد الحق، ونشراً لقيم العدل والإنصاف، وتقريراً لمبدأ المساواة واستبقاءً للأخوة الإنسانية.
ولكى نحصِّل السلام والأمان فى أرض الله بين خلق الله فلابد من إقرار الاحترام بين الناس فى أمر دينهم ودنياهم، فلا فرق بين إنسان وآخر فى أى حق يدفع أو واجب يبذل، بل يجب أن يكون الناس جميعاً أمام سلطان الحق والعدل سواء.
وإذا ثبت هذا فكيف يقبل عقلاء العالم وحكماؤهم أن يُساء إلى هذا النبى صاحب الرسالة العالمية، ورسول الرحمة للناس، فضلاً عن أنه قد بلغ الغاية فى الكمال الإنسانى بين أقرانه وأجناسه فى سيرته ومسيرته.
وأخيراً أقول: إن عظمة الإنسانية فى أمنها، واحترامها فى أمانها؛ لأن مقاصد الخلق مجموعة فى الدين والدنيا معاً، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ومن ثم فلا استقامة لأمر الدين إلا باستقامة أمر الدنيا.
فعذراً رسول الله، إن الحرية فى عرف هؤلاء المسيئين نوعٌ من إضلال العالمين، كما أن الحداثة عندهم تجهيل بعظمة الأنبياء ومكانة المرسلين.
وعزائى – والحالة هذه – أن أقول: إن الإساءة إلى جنابك الكريم إنما تورث العذاب المهين لمن أساء إليك يا رسول الله، مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً».
* الأستاذ بكلية الشريعة والقانون ورئيس قسم القانون الخاص بكلية الدراسات العليا جامعة الأزهر

نقلا عن صوت الأزهر الشريف

Related posts

ذكرى الإسراء والمعراج في فلسطين تمر بصمت في زمن “كورونا”

SubEditor

تعلموا الحب الحقيقي

SubEditor

فيروس كورونا الجديد غير خطير لكنه يهدد النظام الصحي

SubEditor

اكتب تعليقك